دراسة مجتمع واحات الرتب/أوفوس بتافيلالت خلال العصر الحديث والمعاصر، موضوع كتاب جديد للدكتور عثمان.لمراني علوي

خليفة بوطيب **

صدر للدكتور لمراني علوي عثمان
الأستاذ المكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين درعة تافيلالت – المركز الرئيس – بمدينة الرشيدية، كتابا جديدا مكونا ا من 612 صفحة والذي اختار له مؤلفه د. لمراني علوي كعنوان» :منطقة الرتب/ أوفوس بتافيلالت، دراسة جوانب من التحولات في مجتمع الواحات منذ بداية العصر الحديث إلى نهاية فترة الحماية الفرنسية«، وتفضلت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بطبعه ضمن إصدارتها لسنة 2025م مساهمة منه في دراسة جوانب غميسة من تاريخ البادية المغربية وواحاتها الممتدة، ورغبة منه في شد انتباه الباحثين إلى ضرورة الغوص في تاريخ مثل هذه المناطق التي تصنف ضمن الهامش، وعدم السير بشكل مطلق وكلي وفق التوجه والدراسات السابقة التي كانت تركز على دراسة كبرى الحواضر بالبلاد، وتعتبر نخبتها وساكنتها صانعة لمعظم الأحداث الفاصلة، والمؤثرة في مختلف الجوانب المرتبطة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسة بالمغرب، متجاهلة في الغالب ما كان لمحيطها وأريافها البعيدة والقريبة من إسهامات معتبرة ومهمة في مختلف التطورات والتغيرات المذكورة.
وقدم مثالا لهذا الوضع بما رصده في عدد من المصادر والكتابات والدراسات التاريخية التي تناولت المجال الذي تنتمي له منطقة “الَّرتْب/ أوفوس” موضوع الكتاب، وهو مدينة سجلماسة، حيث كانت هذه الأخيرة محور اهتمام من كتبوا عنها منذ العصر القديم، بينما كانت باقي المناطق المحيطة بها شبه غائبة، وهذا ما فسر به المؤلف، توجهه البحثي للاهتمام بمنطقة “الَّرتْب/ أوفوس” التي كانت تعتبر إحدى الممرات المهمة للقوافل التجارة القادمة أو المارة من سجلماسة، في محاولة للفت الإنتباه نحو ما كانت تعرفه المناطق التابعة للمدينة من تحولات وتغيرات على كافة الأصعدة.
وواحة الرتب/ أوفوس هذه موضوع الكتاب كما عرفها المؤلف، منطقة تنتمي إلى مجال زيز الأوسط، أحد المكونات الأساسية لواحات تافيلالت الكبرى وريثة سجلماسة التاريخية التي اشتهرت في تاريخ المغرب والعالم بكونها مهدا لأولى الإمارات المستقلة التي تأسست بعيد الفتح الإسلامي بالمغرب على يد الخوارج الصفرية، كما كانت محور اهتمام كل الدول الناشئة بالبلاد، وكثير من القوى والقبائل المتنافسة على النفوذ والموارد المختلفة، والتحكم والسيطرة على طرق التجارة المارة بالمنطقة. وفي خضم كل ذلك كان مجال الرتب/ أوفوس حاضرا في عدد كبير من الأحداث المفصلية في مختلف التطورات التاريخية المتوالية، وهذا ما وقف عليه المؤلف من خلال عمله أولا على توطين منطقة الرتب/ أوفوس ضمن المجال الجغرافي الكبير الذي تنتمي إليه، والوقوف على خصائصها الطبيعية والبشرية، والتعريف بعدد من معالمها الطبونيمية، مع رصده لعلاقة المنطقة بمختلف الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، مركزا بشكل خاص على مرحلة حكم الدول العلوية التي كان لكل سلاطينها علاقات بهذا المجال.
كما استعرض ما شهدته الواحة من تدافع وزحف قبلي متواصل، سبق خضوعها للاحتلال الأجنبي بعد مدة من توقيع معاهدة الحماية، وهذا ما أنتج حسب دراسته واحة ذات خصوصيات فريدة ومتفردة، كنتيجة مباشرة لما عرفته من خلخلة متواصلة لبنياتها الاجتماعية، ومنظومتها الثقافية خلال القرون الأخيرة، مما جعل المنطقة تضم أعراقا متنوعة ومختلفة تعكسه وإلى اليوم خريطة التركيبة البشرية الراهنة لساكنة الرتب /أوفوس، رغم الحيز الجغرافي الضيق الذي تشغله، إلى درجة يمكن القول معه إن هذه الواحة من المناطق التي تعطينا صورة مصغرة عن مكونات المجتمع المغربي، فضلا عن تجسيدها لفكرة التعايش الذي استطاع توالي الزمن والصراعات الطاحنة وما خلفته من آلام أن تفرضه، وتجعل منه ميزة وخاصية للمنطقة.
وحرصا منه على تمكين الباحثين من التعرف على هذا المجال أكثر؛ حرص المؤلف على جرد أسماء مختلف القصور والقصبات التي بنيت بالمجال محاولا التعريف بها والتأصيل لتسمياتها، وجمع مختلف المعطيات والروايات عن ظروف تأسيسها، وعن التركيبة السكانية لها، كما خص هذا القصور بدراسة معمارية شملت كيفية بنائها وهندستها وتصميمها، ولم يفته الوقوف على ما ميز الساكنة أيضا من تنظيم اجتماعي قام بعضه على أساس الأعراف القبلية المتوارثة، خصوصا لدى القبائل العطاوية التي استقرت بالمجال. إلى جانب تخصيصه فصلا كاملا للتعريف بعلماء المنطقة وفقهائها وأوليائها الذين كان لهم مكانة علمية واجتماعية كبيرة، وإنتاج علمي مازال الكثير منه مخطوطا، لكن غالبا ما لا نجد أسماء هؤلاء ضمن كتب التراجم والأعلام والسير.
وقد اعتمد مؤلف هذا الكتاب على عدد مهم وكبير من المخطوطات النادرة والرحلات الحجية والمصادر التاريخية المهمة والقيمة، مع عمله على استنطاق عدد من القصائد والأراجيز المهمة التي تضمنت معطيات جديدة وإجابات عن بعض الأسئلة حول المنطقة وعدد من رموزها ونخبها الدينية والسياسية، فضلا عن رجوعه إلى مجموعة من الرحلات الأجنبية التي قام بها عدد من المستكشفين والجواسيس، وزاروا من خلالها المنطقة، حيث سجلوا ضمن ما كتبوه معلومات نادرة، ودراسات خاصة حول تضاريس ومناخ وسكان واقتصاد المنطقة، وغير ذلك من المعطيات التي كانت في أغلبها موجهة لخدمة المشروع الاستعماري.
هذه المحطة التاريخية الأخيرة أولها الباحث جزء مهما من فصول كتابه، حيث وقف على مختلف المعارك التي شارك فيها أبناء المنطقة ضد المحتل الأجنبي سواء تلك التي جرت في مواقع أصبح بعضها اليوم يقع ضمن التراب الجزائري، أو بالمناطق الشرقية للمغرب، أو تلك التي جرت رحاها بمنطقة الرتب/ أوفوس، مستعرضا فيها لأسماء عدد من الزعماء والمقاومين الرتبيين الذين بصموا بمداد من الفخر إنجازات كبيرة ضد المحتل وأذنابه، أرخت لها كثير من الكتب الأجنبية وعدد كبير من الصحف والمجالات خاصة الفرنسية منها، فضلا عن المصادر الوطنية والروايات الشفهية المحلية.
هكذا جاء هذا الكتاب ليظهر لنا ما كان لواحة الرتب/ أوفوس من حضور قوي في كثير من الأحداث التي ارتبطت بتاريخ المغرب وخاصة الدولة العلوية، أو حتى إبان الفترة الاستعمارية، وجاء ليظهر كذلك أهمية الدراسة التخصصية التي تمكن من ضبط التطورات الدقيقة داخل كل مجال، دون إغفال دور المحيط في إفرازها والتأثير فيها.
وهذا لا يتأتى إلا من خلال الاستفادة والتعامل مع علوم أخرى اجتماعية واقتصادية ودينية وفلسفية ونفسية وغيرها. وبفرض على كل باحث جاد ضرورة الرجوع إلى بعض الأعمال التي لم تكن لها قيمة إلا عند أصحابها أو النخب في الماضي، مثل تدوين الرحلات الحجية والنوازل الفقهية، والقوانين العرفية، والأشعار واليوميات، وقصائد الملحون وعقود الملكية والرسائل وغيرها، لكونها أضحت اليوم ذات أهمية كبرى، نظرا لمساهمتها الأساسية في ترميم وتأثيث المعرفة بالعديد من المراحل التاريخية الغامضة أو غير المعروفة.
**طالب باحث في سلك الدكتوراه
مختبر الأبحاث التاريخية والتراثية والديناميات المجالية
جامعة سيدي محمد بن عبد الله سايس-فاس
المغرب

مقالات ذات الصلة

المؤتمر الوطني للإيكيدو ينطلق بأكادير… دورة سابعة تحت شعار تطوير الممارسة وحماية القيم.

المخرجة إيزة تستعيد ولادتها السينمائية في ماستر كلاس الدورة 21 للمهرجان الدولي للسينما والهجرة بأكادير

مقالات ذات صلة

المؤتمر الوطني للإيكيدو ينطلق بأكادير… دورة سابعة تحت شعار تطوير الممارسة وحماية القيم.

المخرجة إيزة تستعيد ولادتها السينمائية في ماستر كلاس الدورة 21 للمهرجان الدولي للسينما والهجرة بأكادير

مراكش.. اعتقال خبير التجميل جواد قنانة على خلفية شكاية بالاعتداء الجسدي.

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)