شهدت النقابة الديمقراطية للعدل، العضو بالفدرالية الديمقراطية للشغل، محطة تنظيمية جديدة عنوانها المصالحة وتوحيد الصفوف، عقب إعلان عدد من المناضلات والمناضلين والفعاليات النقابية بقطاع العدل عودتهم إلى إطارهم النقابي السابق، في خطوة تروم تجاوز الخلافات التنظيمية وإعادة بناء وحدة العمل النقابي، وتعزيز القدرة على الدفاع عن المطالب المهنية والاجتماعية لموظفات وموظفي المحاكم.
وجاءت هذه الخطوة خلال لقاء احتضنته، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، قاعة المهدي بن بركة بمقر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بحي أكدال بالرباط، بمشاركة منتدبين قضائيين وموظفين من هيئة كتابة الضبط وقيادات نقابية، حيث شكل اللقاء مناسبة لفتح صفحة جديدة من العمل المشترك، واستعادة جسور التواصل بين مكونات نقابية راكمت تجربة طويلة في الدفاع عن قضايا الشغيلة العدلية.
مقالات ذات الصلة
وتجاوزت دلالات هذا اللقاء مجرد العودة إلى الانتماء التنظيمي، لتطرح رهانات أوسع تتعلق بضرورة إنهاء حالة التشتت، وتجميع الطاقات والخبرات النضالية، وإعادة ترتيب البيت الداخلي للنقابة، بما يعزز موقعها التفاوضي والنضالي في سياق يعرف فيه قطاع العدل تحولات متسارعة وانتظارات متزايدة بشأن تحسين الأوضاع المهنية والمادية والاجتماعية للعاملين بالمحاكم.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد أبرباش، عضو المكتب المركزي للفدرالية الديمقراطية للشغل، أن أسباب القطيعة التنظيمية التي عرفتها المرحلة السابقة ظلت مرتبطة أساساً بإشكالات في التواصل، واصفاً إياها بالأسباب البسيطة التي لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام استمرار مسار نضالي مشترك امتد لأكثر من 25 سنة.
وأكد أبرباش أن ما جرى لا يتعلق بالالتحاق بتنظيم نقابي جديد، وإنما بالعودة إلى البيت النقابي الذي ساهم المعنيون في تأسيسه وبنائه، مشيراً إلى أن الأجواء التي طبعت اللقاء اتسمت بروح عائلية وأخوية وإنسانية ونضالية، بما يعكس استمرار الروابط التي جمعت المناضلين رغم اختلاف المسارات خلال الفترة الماضية.
وشدد المتحدث على أن الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة يتمثل في توحيد الجهود وتوجيهها نحو تحقيق مكتسبات جديدة لفائدة موظفات وموظفي قطاع العدل، وبناء تنظيم نقابي قوي وموحد، قادر على الترافع عن مطالب الشغيلة العدلية والدفاع عنها بفعالية ومسؤولية.
من جانبه، أبرز عبد الصادق السعيدي، عضو المجلس الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل، أن عودة المناضلات والمناضلين اتسمت بطابع تلقائي وعفوي، بعيداً عن استحضار تفاصيل الخلافات السابقة أو الدخول في نقاشات تتعلق بتحديد المسؤوليات والأخطاء.
واعتبر السعيدي أن قوة الروابط الإنسانية والنضالية كانت عاملاً أساسياً في تجاوز مرحلة التباعد، مؤكداً أن الاختلاف في وجهات النظر ينبغي أن يجد حله داخل المؤسسات التنظيمية، من خلال الحوار والاحتكام إلى الديمقراطية النقابية.
وسجل أن النقابة الديمقراطية للعدل قطعت أشواطاً مهمة في مسارها التنظيمي، وانتقلت من مرحلة ارتبط فيها حضورها أساساً بالاحتجاج والدفاع الميداني عن المطالب، إلى مرحلة باتت تمتلك فيها أدوات التفاوض والحوار المؤسساتي والقدرة على تحقيق المكتسبات.
وأضاف أن هذا التحول وما يرافقه من مسؤوليات وحضور داخل المؤسسات التمثيلية يفرضان على مختلف مكونات النقابة استيعاب طبيعة المرحلة، والعمل على توظيف مكانتها لخدمة الشغيلة العدلية، بدل السماح للخلافات التنظيمية بالتأثير على وحدة الصف. كما دعا إلى الالتفاف حول قيادة النقابة، مع الحفاظ على التعددية واحترام الاختلاف داخل التنظيم.
بدوره، أوضح محمد الأزهري، عضو النقابة الديمقراطية للعدل، أن قرار استئناف النشاط النقابي داخل هذا الإطار يستند إلى اعتبارات مبدئية وتنظيمية، في مقدمتها الدفاع عن الديمقراطية الداخلية والتصدي للممارسات البيروقراطية التي من شأنها إضعاف العمل النقابي والحد من نجاعته.
وأشار الأزهري إلى أن الإشكالات المرتبطة بالعلاقة بين العمل النقابي والعمل السياسي كانت من بين العوامل التي ساهمت في اتخاذ قرار العودة، مؤكداً ضرورة وضوح المرجعيات وضمان استقلالية القرار النقابي، بما يحصن الممارسة النقابية من التقاطعات السياسية التي قد تؤثر على أهدافها ووظيفتها التمثيلية.
وأكد أن استئناف العمل داخل النقابة الديمقراطية للعدل يمثل، في جانب منه، استعادة لمسار نضالي مشترك، بالنظر إلى العلاقات الإنسانية والتنظيمية التي ظلت قائمة رغم اختلاف التجارب والمسارات.
من جهته، اعتبر يوسف إيدي، الكاتب العام للفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الروابط التي تجمع المناضلين داخل النقابة الديمقراطية للعدل تتجاوز حدود الانتماء التنظيمي، وتمتد إلى تاريخ طويل من العمل المشترك والعلاقات الإنسانية التي تشكلت على مدى أكثر من عشرين سنة.
وأوضح أن تأسيس إطار نقابي بديل قد يكون ممكناً من الناحية التنظيمية، غير أن استعادة الأجواء الإنسانية والتقاليد الديمقراطية وآليات تدبير الاختلاف التي راكمتها النقابة عبر سنوات من التجربة يظل أمراً أكثر تعقيداً.
واستحضر إيدي محطات التباين والخلاف التي طبعت المسار التنظيمي، بما فيها بعض المؤتمرات والمحطات النقابية، مشيراً إلى أن القدرة على استيعاب الاختلاف والحفاظ على التوازن بين تعدد التوجهات والاختيارات السياسية شكلت دائماً أحد عناصر قوة التنظيم.
وشدد الكاتب العام للفدرالية الديمقراطية للشغل على أن المرحلة الراهنة تقتضي تجاوز سجالات الماضي، والابتعاد عن منطق البحث عمن كان على صواب أو من يتحمل المسؤولية، والانتصار لمستقبل العمل النقابي المشترك، بما يستدعي طي صفحة الخلافات بأخطائها المشتركة وتغليب المصلحة الجماعية.
وتعكس مواقف المتدخلين وجود إرادة مشتركة لتحويل هذه العودة إلى منعطف حقيقي في مسار النقابة الديمقراطية للعدل، من خلال استعادة وحدة مكوناتها، وتجاوز مظاهر التشتت، وتعبئة مختلف الكفاءات والخبرات التي راكمها القطاع على امتداد سنوات من العمل النقابي.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه موظفات وموظفي هيئة كتابة الضبط، وما تفرضه التحولات التي يعرفها قطاع العدل من تطوير لآليات الترافع النقابي، وتعزيز الحوار الاجتماعي والقطاعي، وحماية المكتسبات المهنية والاجتماعية، فضلاً عن مواصلة المطالبة بحقوق جديدة تستجيب لانتظارات الشغيلة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام مختلف مكونات النقابة هو ترجمة المصالحة التنظيمية إلى قوة تفاوضية واقتراحية مؤثرة، قادرة على الدفاع عن كرامة الموظف، وتحسين ظروف العمل داخل المحاكم، والإسهام في بلورة السياسات القطاعية، مع جعل الموارد البشرية في صلب أي إصلاح لمنظومة العدالة.
وبذلك، تبدو عودة المناضلين إلى النقابة الديمقراطية للعدل أكثر من مجرد تسوية لخلاف تنظيمي سابق؛ إنها محاولة لاستعادة وحدة البيت النقابي وإطلاق مرحلة جديدة قوامها الديمقراطية الداخلية والاستقلالية والتضامن، وتقديم مصالح موظفي قطاع العدل على الحسابات والخلافات.

تعليقات( 0 )