استهل المركز الأكاديمي للأبحاث العلمية والدراسات الاستشرافية مسيرته العلمية بتنظيم أول نشاط أكاديمي له، مجسِّدا بذلك رؤيته الرامية إلى ترسيخ ثقافة البحث العلمي وتعزيز الحوار الأكاديمي، والإسهام في مناقشة القضايا المجتمعية والتنموية ذات الأولوية.
وفي هذا الإطار، نظم المركز ندوة وطنية علمية تحت عنوان: “تحولات العالم القروي بالمغرب: الديناميات، الفاعلون، والرهانات”، وذلك عبر تقنية التناظر المرئي (Zoom)، يومي 11 و12 يوليوز 2026.
وقد أشرف على تنظيم هذه الندوة كل من: الدكتور سليم المنصوري، والدكتورة نسرين كنفاوي، والدكتور زكرياء الشوح، والدكتور بلال شايشاي، والدكتورة بشرى البوزيدي.
وافتتحت أشغال الندوة يوم السبت 11 يوليوز 2026 بجلسة افتتاحية انعقدت على الساعة الثالثة بعد الزوال، ترأسها الدكتور سليم المنصوري، رئيس المركز الأكاديمي للأبحاث العلمية والدراسات الاستشرافية، حيث ألقى كلمةً باسم المركز استعرض فيها دواعي تنظيم الندوة وأهدافها العلمية. كما ألقت الدكتورة نسرين كنفاوي كلمة اللجنة المنظمة، رحبت فيها بالمشاركين، وأبرزت أهمية موضوع الندوة، وما يكتسيه من راهنية علمية وتنموية.
أعقب ذلك انعقاد الجلسة العلمية الأولى، الموسومة بـ :”الأرياف المغربية: المقاربات النظرية ومناهج البحث”، والتي أدارها الدكتور سليم المنصوري نيابةً عن الدكتور زكرياء الشوح، وشهدت تقديم ست مداخلات علمية.
أما الجلسة العلمية الثانية، الموسومة ب”التحولات البنيوية في المجال القروي المغربي: التفاعلات الاجتماعية والثقافية والرمزية”، فقد قسمت إلى ورشتين؛ أدارت الدكتورة نسرين كنفاوي الورشة الأولى، وعرفت مشاركة ستة باحثين قدموا مداخلات علمية متميزة، فيما أدار الدكتور سليم المنصوري الورشة الثانية، وشهدت مشاركة تسعة باحثين قدموا أوراقا علمية تناولت قضايا متنوعة ذات صلة بمحور الجلسة.
وفي اليوم الثاني، الأحد 12 يوليوز 2026، انعقدت الجلسة العلمية الثالثة خلال الفترة الصباحية، ابتداء من الساعة التاسعة صباحا، تحت عنوان: “دينامية الاقتصاد القروي: التحديات ورهانات التنمية”، وقسمت بدورها إلى ورشتين؛ أدارت الدكتورة نسرين كنفاوي الورشة الأولى، وشارك فيها ستة باحثين، بينما أدار الدكتور بلال شايشاي الورشة الثانية، وشارك فيها سبعة باحثين.
وفي الفترة المسائية، انعقدت الجلسة العلمية الرابعة تحت عنوان: “تدخلات الفاعلين بالوسط القروي: بين التقليدي والعصري”، وأدارها الدكتور سليم المنصوري، وشهدت مشاركة ثمانية باحثين قدموا مداخلات علمية عالجت مختلف أبعاد الموضوع.
أما الجلسة العلمية الخامسة، فقد حملت عنوان: “التغيرات المناخية في الأرياف المغربية: التداعيات على الهشاشة الاقتصادية والأمن الغذائي”، وأدارها الدكتور سليم المنصوري نيابة عن الدكتور زكرياء الشوح، وشارك فيها تسعة باحثين.
واختتمت أشغال الندوة بعقد الجلسة العلمية السادسة، الموسومة بـ :”موقع العالم القروي في النموذج التنموي الجديد”، والتي أدارتها الدكتورة نسرين كنفاوي، وشهدت مشاركة ستة باحثين قدموا مداخلات علمية تناولت مختلف القضايا المرتبطة بمحور الجلسة.
عرفت الندوة الوطنية إقبالا علميا واسعا ومشاركة متميزة لعدد كبير من الباحثين والأكاديميين المتخصصين في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية، يمثلون مختلف الجامعات والمؤسسات الوطنية المغربية، وهو ما يعكس المكانة العلمية التي حظيت بها الندوة وأهمية موضوعها. وقد تصدرت جامعة ابن طفيل بالقنيطرة قائمة المؤسسات المشاركة بنسبة 18% من مجموع الباحثين، تلتها جامعة محمد الأول بوجدة وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس بنسبة 13% لكل منهما، ثم جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء وجامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان وجامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال بنسبة 9%، تليها جامعة ابن زهر بأكادير وجامعة القاضي عياض بمراكش بنسبة 6%، في حين بلغت نسبة مشاركة كل من جامعة الحسن الأول بسطات وجامعة شعيب الدكالي بالجديدة 4%..
وقد تميزت الندوة بجودة المداخلات العلمية وتنوعها، حيث تناولت موضوع :”تحولات العالم القروي بالمغرب: الديناميات، الفاعلون، والرهانات”، من زوايا متعددة ومتكاملة، جمعت بين المقاربات النظرية والدراسات الميدانية، مما عكس مستوى أكاديميا رفيعا في التحليل والنقاش والمعالجة العلمية. كما أفرزت جلسات النقاش تفاعلا علميا مثمرا بين الباحثين والمتدخلين، الذين أثروا أشغال الندوة بملاحظاتهم وتساؤلاتهم ومقترحاتهم العلمية، وهو ما أسهم في تعميق النقاش وبلورة تصورات واستنتاجات علمية وعملية بشأن مختلف القضايا المرتبطة بتحولات العالم القروي وآفاق التنمية الترابية بالمغرب.
وقد خلصت الندوة إلى مجموعة من النتائج المهمة، في مقدمتها ضرورة إرساء نموذج تنموي ترابي مندمج يراعي الخصوصيات المجالية والاجتماعية والاقتصادية للمجالات القروية، مع اعتماد التخطيط الترابي القائم على المعطيات والمؤشرات العلمية. كما أكدت على أهمية تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، من خلال تحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وأسفرت الندوة عن جملة من التوصيات العملية، يمكن تصنيفها وفق المحاور الآتية:
أولا: في المجال الاقتصادي: دعت الندوة إلى تنويع القاعدة الاقتصادية بالمجالات القروية، والانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد ترابي قائم على تثمين الموارد المحلية، وتعزيز الاستثمار المنتج بالعالم القروي مع تبسيط المساطر القانونية ومعالجة الإكراهات العقارية، ودعم التعاونيات الفلاحية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتبارهما رافعة لخلق فرص الشغل وتحسين الدخل، والعمل على تثمين المنتجات المجالية وربطها بآليات التسويق الترابي والعلامات المجالية لتعزيز تنافسيتها، إلى جانب تشجيع السياحة القروية والإيكولوجية والثقافية، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، خاصة لدى الشباب والنساء، مع تسهيل الولوج إلى التمويل.
ثانيا: في المجال الاجتماعي: أكدت الندوة ضرورة اعتماد سياسات عمومية تقلص الفوارق المجالية والاجتماعية بين الوسطين الحضري والقروي، وتعزيز الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية، وتمكين المرأة القروية اقتصاديا واجتماعيا، وتقوية مشاركتها في التنمية وصنع القرار المحلي، ووضع برامج للحد من الهجرة القروية، وخاصة هجرة الشباب والكفاءات، وتحسين ظروف العيش وفرص التشغيل، وتقوية أدوار المجتمع المدني في التأطير والمواكبة وتعزيز المشاركة المواطنة، ودعم الإدماج الرقمي للسكان القرويين والحد من الفجوة الرقمية.
ثالثا: في المجال الثقافي والمجالي: أوصت الندوة بتثمين التراث الثقافي والطبيعي والهوية المحلية باعتبارها ركيزة للتنمية الترابية المستدامة، والمحافظة على الموروث المحلي والذاكرة المجالية وإدماجهما في برامج التنمية والسياحة، ودعم الدراسات العلمية المتعلقة بالتحولات السوسيوثقافية والقيمية بالعالم القروي، وتعزيز دور الجامعة في توثيق التراث القروي وإنتاج المعرفة العلمية، وتشجيع إحداث شبكات علمية وطنية متخصصة في قضايا العالم القروي، ونشر أعمال الندوة في مؤلفات أو مجلات علمية محكمة ضمانا لتثمين نتائجها وإتاحتها للباحثين وصناع القرار.
رابعا: في المجال البيئي: أكدت الندوة أهمية إدماج التكيف مع التغيرات المناخية في مختلف برامج التنمية القروية، واعتماد تدبير مستدام ومندمج للموارد المائية، وترشيد استعمال المياه في الأنشطة الفلاحية، وحماية المنظومات البيئية والغابوية، والحد من تدهور التربة والتصحر، وتشجيع الفلاحة الذكية مناخيا، وتعزيز استخدام نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات الاستشعار عن بعد في تتبع الموارد الطبيعية ورصد التغيرات البيئية، فضلا عن دعم البحث العلمي في مجال المخاطر الطبيعية والهشاشة البيئية بالمجالات القروية.
خامسا: في المجال الأكاديمي والمؤسساتي: دعت الندوة إلى إرساء حكامة ترابية تشاركية تقوم على التنسيق بين الدولة والجماعات الترابية والجامعة والمجتمع المدني، واعتماد التخطيط الترابي المبني على الأدلة العلمية والمؤشرات المجالية، وإحداث مرصد وطني لتحولات العالم القروي لرصد الديناميات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتعزيز البحث العلمي متعدد التخصصات وربط نتائجه بصناعة القرار العمومي، وتطوير شراكات بين الجامعات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية لإنجاز مشاريع بحثية تطبيقية.
وفي ختام أشغال الندوة، عبّر المركز الأكاديمي للأبحاث العلمية والدراسات الاستشرافية، بصفته الجهة المنظمة لهذا الحدث العلمي، عن خالص شكره وامتنانه لجميع الباحثين والمتدخلين، وأعضاء اللجنة العلمية، وأعضاء اللجنة التنظيمية، وأعضاء اللجنة التقنية، ولكل من ساهمة في إنجاح هذه الندوة علميا وتنظيميا وتقنيا. كما نوه بالمستوى العلمي الرفيع الذي ميز مختلف الجلسات، معربا عن أمله في أن تشكل مخرجات هذه الندوة مرجعا علميا يسهم في إثراء البحث الأكاديمي، ودعم السياسات العمومية، وتعزيز التنمية الترابية المستدامة بالمجالات القروية المغربية.


تعليقات( 0 )